القرطبي
250
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الجوني : وعظ موسى عليه السلام بني إسرائيل ذات يوم فشق رجل قميصه ، فأوحى الله إلى موسى ، قل لصاحب القميص لا يشق قميصه فانى لا أحب المبذرين ، يشرح لي عن قلبه . قال زيد بن أسلم : ذرأ أبي بن كعب عند النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه فرقوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة " . وعن العباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا اقشعر جلد المؤمن من مخافة الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة البالية ورقها " . وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما اقشعر جلد عبد من خشية الله إلا حرمه الله على النار " . وعن شهر بن حوشب عن أم الدرداء قالت : إنما الوجل في قلب الرجل كاحتراق السعفة ، أما تجد إلا قشعريرة ؟ قلت : بلى ، قالت : فادع الله فإن الدعاء عند ذلك مستجاب . وعن ثابت البناني قال : قال فلان : إني لأعلم متى يستجاب لي . قالوا : ومن أين تعلم ذلك ؟ قال : إذا اقشعر جلدي ، ووجل قلبي ، وفاضت عيناي ، فذلك حين يستجاب لي . يقال : اقشعر جلد الرجل اقشعرارا فهو مقشعر والجمع قشاعر فتحذف الميم ، لأنها زائدة ، يقال أخذته قشعريرة . قال امرؤ القيس : فبت أكابد ليل التمام ( 1 ) * والقلب من خشية مقشعر وقيل : إن القرآن لما كان في غاية الجزالة والبلاغة ، فكانوا إذا رأوا عجز هم عن معارضته ، اقشعرت الجلود منه إعظاما له ، وتعجبا من حسن ترصيعه وتهيبا لما فيه ، وهو كقوله تعالى : " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله " [ الحشر : 21 ] فالتصدع قريب من الاقشعرار ، والخشوع قريب من قوله : " ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " ومعنى لين القلب رقته وطمأنينته وسكونه . " ذلك هدى اله " أي القرآن هدى الله . وقيل : أي الذي وهبه الله لهؤلاء من خشية عقابه ورجاء ثوابه هدى الله . " ومن يظلل الله فماله من هاد " أي من خذله فلا مرشد له . وهو يرد على القدرية وغيرهم . وقد مضى معنى هذا كله مستوفى في غير موضع والحمد لله . ووقف ابن كثير وابن محيصن على قوله : " هاد " في الموضعين بالياء ، الباقون بغير ياء .
--> ( 1 ) ليل التمام : أطول ما يكون من ليالي الشتاء .